السيد محمد تقي المدرسي
75
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
أخطاء الترجمة لدى المسلمين بالرغم من أن المترجمين المسلمين لم يكتفوا بما توصل إليه الأقدمون ، بل أظفوا عليها صبغتهم وربما تفاسيرهم ، إلا أن الترجمة عانت من عدة أخطاء كبيرة . الأول : أن المترجمين كانوا - في الأغلب - أجانب من الناحية الدينية والعنصرية عن العالم العربي ، وكانوا مبهورين بأفكار القدماء الذين كانوا ينتمون إليهم ثقافياً ، وربما كان بعضهم يثأر لنفسه ولدينه ولعنصره من العالم الجديد بتعظيم الفكر الأجنبي ، ويغمز في قناة مواطنيه من طرف خفي . لذلك ؛ جمدوا على بعض الفلاسفة دون غيرهم ، فلم يفهموا مثلًا نظرية أرخميدس ، وفي الفلسفة تركوا كثيراً من فلاسفة اليونان . الثاني : كانت سمة التقليد والنظر إلى شخصيات الفلاسفة دون نظرياتهم تغلب عليهم ، ولا تدعهم يمحصون أفكار السابقين ، إلى درجة أنهم كانوا يحاولون أبداً تأويل أفكارهم الخاطئة ، وإذا وجدوا اختلافاً بين علمين من أعلام الفلاسفة حاولوا تأويل أقوالهما حتى يرفعوا النزاع ، وبالتالي يبررون ساحة مقلديهم وعظمائهم من وصمة الخلاف ، وكأنهم أنبياء ، أو كأن أقوالهم وحي منزل كما فعل الفارابي في كتابه الذي حاول الجمع بين رأيي الحكيمين ؛ أفلاطون وأرسطو « 1 » . ولذلك ؛ فإنهم لم يوفقوا لمعرفة أخطاء الفلسفة القديمة كما لم يكتشفوا نقص المنطق الأرسطي ، ولم يأبها بنظرية ( أرسطر خس ) الذي قال بدوران الأرض حول
--> ( 1 ) ( ) يقول د . صفا : كان الفارابي مثل الكثير من فلاسفة مدرسة الإسكندرية ومدارس الشرق الأدنى الذين كانوا يسعون من أجل التوفيق بين آراء أفلاطون وأرسطو ، وقد سعى كثيراً في تأليف الكتب التي خصّها باتفاق آراء الحكيمين ، وكانت العلة وراء ذلك أن هؤلاء كانوا يعتقدون بصحة آراء وقوة أدلة هذين الحكيمين . وكانوا يحصرون حقائق الفلسفة في آرائهما . ولأنهم وجدوا أن الاختلاف بينهما سبباً لضعف أصول الفلسفة ، كانوا يسعون من أجل التوفيق بينهما . ومن الكتب التي بذل الفارابي جهده فيها هو كتاب ( الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي ، وأرسطوطاليس ) . راجع كتاب ( تاريخ علوم عقلي در تمدن إسلامي ) بالغة الفارسية ، ص 184 .